هكذا أنقذت دليلة المفتاحي مسلسل “ڨلب الذيب”.. والنجم فتحي الهدّاوي وحش الشاشة دون منازع

يُشكّل الموسم الرمضاني، عادةً، فرصة لمُتابعي الإنتاجات التلفزيّة بمختلف أنماطها لاكتشاف الوجوه الجديدة وتقييم أدائها، فمنهم من يجذب الأنظار إليه ببراعته في تقمُّص دوره كما ينبغي، ومنهم من يمرّ مرور الكرام دون ترك أثر.

ومع انقضاء العشر الأوائل من الشهر المعظّم، استقرّ تركيز التونسيّين من الشرائح المتيّمة باستهلاك المنتوجات التلفزيّة المحليّة على مُشاهدة الأعمال الدراميّة المتوزّعة بين القنوات العموميّة والخاصّة، ويبدو جليّاً حسب استطلاع التعاليق التي ضجّت بها مواقع التواصل الاجتماعي وأرقام “اليوتيوب” أنَّ مسلسل أولاد مفيدة يحظى بنسبة عالية من المُشاهدة، وذلك كان منتظراً، سيما وأنّ أجزاءهُ السابقة حقّقت نجاحاً جماهيريّاً ساحقاً منقطع النظير…

وتنحصر قصّة المسلسل في حلقات دراميّة أضفت عليها حبكة السيناريو تشويقاً، بين عائلتين تلطّخت أيادي أبنائها بجرائم فظيعة، على غرار سفك الدماء والتورّط في استهلاك وترويج المخدّرات، وفي أثناء ذلك تتطوّر الأحداث بنسقٍ متسارع، دون سقوط السيناريست في فخ الرتابة والسطحيّة، وهو ما تُعاب عليه أعمال أخرى، عجزت عن شدّ المشاهد وأمضت على فشلها منذ الحلقات الأولى.

وتكفّلت المخرجة الشابّة سوسن الجمني بإنجاز الجزء الخامس من مسلسل “أولاد مفيدة” الذي يبث يوميّاً على قناة الحوار التونسي، تاركةً أحسن الانطباعات لدى النقاد والمختصّين في مجال الصورة والإخراج الدرامي، وقد عاضدها في ذلك خيرة التقنيّين والمهندسين، فضلاً عن الممثلين الذين جسّدوا الشخصيات الموكولة إليهم إلى حد التماهي، وهنا لا مناص من المرور دون التنويه بأداء المتفرّد بإبداعه، وحش الشاشة دون منازع، فتحي الهدّاوي.

وبملاحظة فوق المتوسّط، يحقّق مسلسل ڨلب الذيب، للمخرج بسّام الحمراوي، أرقاماً مشجّعة على موقع “يوتيوب”، فهو العمل الذي اقتنت حقوق بثّه التلفزة الوطنيّة من المنتجة خولة السليماني، لتراهن عليه في النصف الأوّل من رمضان، بعد التأكّد من تأجيل مشروع درامي آخر لأسباب صحيّة بالأساس، وإلى حد الآن لا تزال الآراء متضاربة ومختلفة حول قيمة “ڨلب الذيب” مع العلم وأنّ روايتهُ مستلهمة من الإرث النضالي لتونس ومستوحى من حقبة زمنيّة ثريّة بالكفاحات المسلّحة ضدّ المستعمر الفرنسي الغاصب حينذاك.

ولم يَسلم مضمون العمل من سياط النقد والنُقّاد، حيث عابَ عليه المؤرّخون، محاكاة تلك الفترة بدمويّتها وثراء تفاصيلها، بشيءٍ من التسرُّع والتسطيح والارتجاليّة وانعدام الدقّة الكافية في قراءة ونقل الواقع، حتى وإن كان السيناريو من وحي خيال الكاتب، وبالإضافة إلى سهام الناقدين، رصدت عيون المختصّين من أهل المهنة، أخطاءً فادحة كان من الممكن تلافيها لو وقع التمحيص في مَشاهد المسلسل بتروٍّ، فمن غير المعقول أن يتغاضى تركيز المخرج عن هفوة الاستعانة بنوافذ معدنيّة من الطراز الحديث وهي لا تتماشى مع الحقبة التاريخيّة التي يُحاكيها العمل، وهل اعتمد “الفلّاڨة” في مَحاجرهم الجبليّة خلال الأربعينات على الهواتف النقّالة وهي التي حصلت على براءة الاختراع في أوائل السبعينات!!!؟

وحتى لا نظلم جهود العاملين والقائمين على هذا الإنتاج ولا نستصغر من قيمة ما أنجزوه، أثار عطاء بعض الممثلين إعجاب مستخدمي “فايسبوك”، ومن هؤلاء، المبدعة دليلة المفتاحي، فلولاها لما حظيت دراما ڨلب الذيب بالاستحسان والتشجيع، فقد كانت إبنة ربوع جندوبة بمثابة المنقذة لهُ، عبر أداء عانق الروعة وتقمّص للشخصيّة بإتقانٍ لا يُضاهى، حتى يتراءى لنا أنّها على طبيعتها ولا تؤدّي مجرّد دورٍ تلفزي عابر، ومن حقّ عموم المشاهدين في تونس الاعتداد بهذه الأيقونة والاعتزاز بكونها تونسيّة الهويّة والمنشأ.

وخلافاً للموسم الأوّل، انتقل المخرج الصاعد عبد الحميد بوشناق، بعشّاڨ الدنيا من قناة نسمة إلى التاسعة، في جزءٍ ثانٍ أسال لعاب الجماهير قبل عرضهِ، بومضةٍ دعائيّة غاية في التعبير الذكي، ومن خلال ردود الأفعال المتواترة، وضعت التقييمات والرؤى النقديّة مسلسل “نوبة” في كوكبة الطليعة، ومع انضمام عدد من الأسماء الوازنة كَـ فتحي الهدّاوي وكمال التواتي وريم الرياحي، لم تفقد “خرافة” هذا العمل بريقها وسمعتها الطيّبة والفئة المعنيّة بها، إذ يحاول بوشناق بطريقة مغايرة عن السائد، مداعبة نوستالجيا التسعينات، وما تركتهُ تلك الفترة عند جيل كامل من شوق وتوقٍ لماضٍ جميل وذكرياتٍ خالدة راسخة في الوجدان قبل الأذهان.

ويُقدّم المخرج يُسري بوعصيدة، عملاً قيل عنهُ الكثير، فالتطرّق إلى بطولات الجيش الوطني التونسي وبلورتهِ إلى فكرة ثمّ يتمخض عن الفكرة مشروع مسلسل درامي، ليس بالأمر الهيّن، ورغم نُبل القضيّة، فقد غامرَ صاحب العمل بإتمامهِ في ظروف استثنائيّة جدّاً، والاستغناء عن عدد من المَشاهد نظراً لضيق الوقت والاستجابة لإجراءات الحجر الصحّي الشامل، التي ألقت بظلالها على عديد القطاعات وشلّت مفاصل الإقتصاد، بما فيها الحقل الثقافي النشيط. وبلا مُواربة، فإنّ المؤسسة العسكريّة الحامية لحياض الوطن والمضحّية برجالاتها، تستحق أكبر من مسلسل “27” من حيث جودة المضامين المطروحة والنص الذي تعوزهُ الحياكة والعمق، ومُمثّلين من أعلى طراز…

وقد اجمع السواد الأعظم من الأراء على الأداء المهزوز والهزيل لمجموعة من الممثّلين، ما يطرح أسئلة حائرة عن جدوى عمليّة “الكاستينغ” وهو إجراء ضروري يُسهل مأموريّة المخرج في انتقاء الغث من السمين.

المصدر : الجمهورية