خفايا استقالة المهدي بن غربية : صيادون في شارع ضيق

بعد إعلان وزير العلاقة مع الهيئات الدستورية والمجتمع المدني وحقوق الإنسان المهدي بن غربية عن استقالته من منصبه، يوم السبت الماضي، بدأت الخطوط العريضة للعبة السياسية قبل الاستحقاق الانتخابي 2019، تتضح شيئا فشيئا، خاصة مع الطموحات العديدة التي طفت مؤخرا حول هذا الموعد الانتخابي الهام الذي بات ”جسر الأحلام الوردية” لفرسان الساحة السياسية حكما و معارضة.

انتخابات 2019 تلقي بظلالها على المشهد السياسي في تونس منذ أكثر من سنة، وبدأت حرب الإخوة تتبلور شيئا فشيئا وبتنا كأننا نعيش إحدى فصول مسرحية ”جول سيزار” لشكسبير أو جزء من أجزاء ميثولوجيا ”رولان بارت”…

المهدي بن غربية صنع الحدث حين أعلن عن استقالته بطريقة مسرحية فيها جزء بروتوكولي من الخطابات الرسمية.
حيث أعلن المهدي بن غربية في البداية عبر تدوينة على صفحته الرسمية بموقع فايسبوك، عن استقالته من منصبه لرئيس الحكومة يوسف الشاهد، قبل أن يُتبعها بمقطع فيديو، أظهر ترتيبات مسبقة أعدها الوزير قبل نشر الفيديو للعموم، إذ لم يغفل بن غربية عن وضع علم تونس في الخلفية اقتداء بالشخصيات الوطنية البارزة، علاوة على إختيار العبارات ”المحببة انتخابيا”، كالمصلحة الوطنية و الوضع العام و اقتضاء لضرورة المرحلة …وغيره من الجمل الفضفاضة التي تقول الشيء وضده ذات الوقت…

و كأننا بالمهدي بن غربية قد نزع جبة السياسي الهادئ الذي يعمل في صمت والمدافع عن التوافقات السياسية بأنواعها ولاعب دور حلقة الوصل بين العائلات الإيديولوجية المتنافرة و إرتدى ”بدلة الرسميات” بطابع حزبي، أخرجته في صورة الساعي إلى أمر مهم وعاجل وألحقته بركب الطامحين في إستحقاق 2019.

استقالة بن غربية لم تخفي الصراع السياسي الحاصل على مستوى أحقية ترشح أعضاء الحكومة للانتخابات الرئاسية القادمة، وموقف حركة النهضة الأخير الذي طالبت فيه رئيس الحكومة يوسف الشاهد بعدم الترشح ”للاستحقاق الكبير”، بل كشفت الحماس الذي يلف اللعبة السياسية في هذا الوقت بالذات، في تجلّ واضح لمنطق الخيارات العديدة أمام إلزامات ”التوافق” و”المصلحة الوطنية”.

الذهاب في هذه القراءة، مردّه التغيّر الملحوظ في شخصية المهدي بن غربية حين أعلن عن استقالته، وهو الذي عُرف بالهدوء وتجنب الصراعات الحزبية والسياسية، قبل أن يظهر في دور رجل السياسة الذي يتقن جيدا اللعبة السياسية.

بعض الملاحظين والعارفين بخفايا وزوايا السياسة في تونس اعتبروا إستقالة المهدي بن غربية “قربانا ” يقدمه الشاهد لخصومه السياسيين بحثا عن ود الأطراف الفاعلة التي كانت تطلب برأس بن غربية وغيره من حاشيته.

ولكن بعض التحاليل لهذه الاستقالة المفاجئة التي تزامنت مع عاصفة قوية تهدد عرش الشاهد وحكومته ترى أنها لعبة لإعادة خلط الأوراق في علاقة بانتخابات 2019، جعلت الأدوار تنقلب.

مغادرة المهدي بن غربية لهذه الحكومة، ”المحيّدة” عن الاستحقاق الرئاسي القادم بقرار سياسي، يرى فيه البعض تكليف ضمني لبن غربية بمهمة “سائق عربة” الشاهد الذي ألزمته النهضة في بيان رسمي بعدم الترشح لـ2019.

تاريخيا، بن غربية خاض تجربة السجن بسبب “الإنتماء” لكونه كان إبنا بارا لحركة النهضة في العهد السابق، ووفق ما كشفه المتابعون لمسيرة هذا الرجل يعتبر المهدي بن غربية أيضا رجل أعمال ناجحا و له علاقة متينة برؤوس الأموال، وشعبية كبيرة اكتسبها خاصة عندما كان رئيسا للنادي الرياضي البنزرتي قبل أن يضيف لسيرته ”حسن تبادل الأدوار و قدرته على التعامل ما متطلبات اللعبة السياسية” بعد الثورة. فقد كان المهدي بن غربية من أبرز الوجوه السياسية التي اكتشفها الشعب التونسي في السنوات الأخيرة. وقد نجح بن غربية في الخروج من كل الأزمات والصراعات بلباقة وقدرة كبيرة على التأقلم وتكييف الخطاب.

بن غربية الذي أعلن فور استقالته من حكومة الشاهد، عن مشروع سياسي جديد في شكل حزب وسطي تقدمي، سيدخل الساحة السياسية من باب منافسة حركة نداء تونس الذي يعاني الانشقاقات تلو الأخرى ما يجعله مرشحا بارزا لإستحقاق 2019، لكن في ثوب حزبي بخلفية حكومية، لكونه، على ما يبدو، تبادل الأدوار مع يوسف الشاهد الذي من المرجح أنه التزم بطلب حركة النهضة بعدم الترشح، ليسلم مشعل طموح حكومته للوافد الجديد على ركب الساعين إلى قصر قرطاج المهدي بن غربية، ليكون الضامن لاستمرار الشاهد، الذي قد يواصل البقاء في الواجهة، في حال وصول بن غربية للقصر.

قبول الشاهد السريع باستقالة المهدي بن غربية يثير الريبة فكلنا نتذكر رفض الشاهد لاستقالة وزراء وكتاب دولة تابعين لحزب آفاق تونس بدعوى الوحدة الوطنية والتضامن الحكومي. قبول هذه الاستقالة إذا لا يعدو أن يكون سوى مناورة جديدة حسب بعض المحللين.

ومن هنا تتجلى التحركات التي بدأت في التسارع في علاقة بالاستحقاق الانتخابي الرئاسي 2019، والتي من بين فصولها تبادل الأدوار بين الشاهد و بن غربية، مثلما فعل بوتين و ميدفيديف سنة 2012، حين اقترح الرئيس الروسي ترشيح سلفه ديمتري ميدفيديف لرئاسة الحكومة، وقال جملته الشهيرة “إذا منح المواطنون الثقة لميدفيديف واختاروه رئيساً لروسيا، سأكون مستعدا لقيادة الحكومة”، وهو ما قد يتكرر مع يوسف الشاهد و المهدي بن غربية.

ولكن لعبة “الدمى الروسية” محفوفة بالمخاطر فبعض القراءات الأخرى في هذه الاستقالة وإعلان بن غربية السريع عن تأسيس حزب جديد وخروجه للاعلام يوما بعد استقالته في جبة اللاعب السياسي الجديد قد تنبؤ بسيناريو آخر.
فيوسف الشاهد يمكن أن يصبح ورقة خاسرة وعبئا ثقيلا لا يمكن أن تغامر به هذه المجموعة من الصبيان الذهبيين « golden boys » الطامحين إلى قرطاج في 2019.

قطيعة مع نداء تونس، صراع مع إتحاد الشغل ، توتر في العلاقة مع النهضة وأخيرا حصيلة حكومية كارثية هي عوامل تجعل من يوسف الشاهد الحلقة الأضعف ويتوقع الكثيرون أن يتخلى عنه أترابه وسط الطريق وأن يختاروا حصانا رابحا لا يحمل وسم الأزمات الاقتصادية والصراعات السياسية…

المصدر : نسمة