الغنوشي يكشف أسباب دعم النهضة لقيس سعيد في الدور الثاني للرئاسية

كان ملازما لمختلف المحطات التي عرفتها البلاد منذ سبعينيات القرن الماضي، وخاصة بعد الثورة. ويبدو أنّه سيكون أيضا أحد اللاعبين في مرحلة ما بعد انتخابات 2019. وفي ما يلي نص الحديث مع الأستاذ راشد الغنوشي رئيس حركة النهضة…

البعض وصّف نتيجة الدور الأول للانتخابات الرئاسية بأنّها بمثابة الزلزال السياسي؟

في تقييمنا نتيجة الانتخابات لم تكن زلزالا ولا مفاجأة كما يقول الكثيرون. فاستطلاعات الرأي وعمليات سبر الآراء منذ أشهر كانت مجمعة على أشياء ومعطيات مُشابهة كثيرا لما انتهت إليه الانتخابات، وهناك ما يُبرّر كلّ ذلك، فالمواطنون ليسوا راضين عن وضعهم المعيشي وقد عملت أطراف عديدة، سياسيّة وإعلامية، طيلة السنوات الماضية على ترذيل الأحزاب والعمل السياسي عموما ونشر ثقافة اليأس والإحباط لدى الناس. كما أنّ أداء جزء من النخبة السياسية والحزبيّة لم يكن حقيقة في مستوى التطلعات بحكم الشيطنة والاتهامات المتبادلة وبثّ الفتنة وتشويه الخصوم بما ليس فيهم.

لذا نحن نتفهّم حالة الغضب. ونُشارك المواطنين مخاوفهم. وقد تلقينا الدروس الواجب تلقيها والتي تصبّ جميعها في حاجة التونسيّين الملّحة والعاجلة الى التنمية والتشغيل وتحسين ظروف العيش وتحقيق الأمن الاجتماعي وخفض الضغوط المسلّطة على المقدرة الشرائيّة.

هناك من يرى أنّ التصويت في الانتخابات الرئاسية كان تصويتا عقابيا للسيستام والنظام الحالي..والنهضة جزء منه؟

أبدا، أنا لا أتّفق مع هذا الرأي، لأنّ كل المترشحين من داخل النظام السياسي بمن فيهم قيس سعيّد وهم دخلوا السباق تحت نفس القوانين وملتزمون جميعا بالدستور وضوابطه.

هذا لا يمنع من القول بوجود حالة غضب وتقلّق لدى المواطنين. فرغم ما تحقّق ما تزال عجلة الإنجاز بطيئة. لكن المهم هو نجاح بلادنا في الالتحاق بصفوف الدول الديمقراطية.

وبالنسبة لنا عملنا على استقرار الأوضاع ورفضنا طريق المغامرة وعملنا دائما وفق نهج التوافقات وحماية المسار من كلّ انتكاسات. وكنّا منفتحين على كلّ شركائنا، رافضين الإقصاء ومتمسّكين بالحريّة والديمقراطيّة وتوسيع المشاركة السياسيّة فتونس للجميع.

لكن النهضة كانت موجودة في الحكم منذ الثورة. وكانت لها لفترات طويلة الأغلبيّة البرلمانيّة؟

لا يخفى على أحد الصعوبات والمنعرجات منذ الثورة. كان هناك الكثير من الصراعات والتجاذبات البعض منها كان خطيرا جدا من مثل الاستقطاب الإيديولوجي والعقائدي ومحاولة بثّ الفتنة بين التونسيّين وأجندات التخريب والجذب إلى الخلف من قبل قوى تضرّرت من قيام الثورة. لكن في العموم وفي نهاية المطاف تحقّق الاستثناء الديمقراطي التونسي. اليوم هناك دستور يجتمع حوله كلّ التونسيّين وهناك منظومة قوانين بصدد التطوّر. وكسبت الدولة رصيدا مهما من المناعة والثقة. وهي مُتماسكة. وقد حقّقت نجاحات باهرة في أكبر المعارك التي تخوضها مختلف الدول ألا وهي معركة مكافحة الإرهاب.
السنوات الماضية لم تكن كلّها خيبات وانكسارات. كانت فيها أشياء كثيرة مضيئة علينا حمايتها وتعزيزها بالمزيد من المكتسبات.

ملف نبيل القروي مزعج لكم..؟

لسنا طرفا في سجن نبيل القروي. ونتمنى أن يكون خارج السجن. ونحن مع استقلالية القضاء. وعلى الجميع التسليم بعلوية القانون وضرورة احترام العدالة. فالعدل أساس العمران.

وفي النهضة أدنا وسندين كل محاولات الضغط على القضاء أو شيطنته. ونحن نعتقد أنّ المؤسسة القضائية تحتاج الى المزيد من الإصلاحات وخاصة في توفير المستلزمات البشرية والموارد اللوجستية حتى تقوم بمهامها على أفضل وجه في حماية الحقوق وحسن تطبيق القوانين وتحقيق العدالة لكلّ التونسيين.

رسميا أعلنتم دعمكم للمرشح قيس سعيّد..هل هو العصفور النادر للنهضة؟

شخصية الأستاذ قيس سعيّد مميّزة. فقد كشف الدور الأول للانتخابات الرئاسية وما تبعه من ردود أفعال أنّه شخص مجمّع أمكن له ضمان دعم فئات واسعة من التونسيين من مختلف الجهات ومن مختلف المشارب الفكرية والسياسيّة، هذا إضافة الى ما عُرف به من نزاهة ومصداقية وجدّية ونظافة يد. هذا ما جعلنا نجد فيه المثال والنموذج الذي بحثنا عنه، رئيس يجمّع ولا يفرّق.

البعض يقول إنّ سعيّد هو العصفور النادر للنهضة منذ البداية؟

دخلنا الانتخابات متأخرين دون خطط سابقة. ولم يكن في خطتنا الترشح. حيث كنا نبحث عن مرشح توافقي. ولكن لم نجده ونتيجة الأحداث الطارئة التي عجّلت بالانتخابات الرئاسيّة ومع تواصل رفض بقية الطيف السياسي التوافق والتزاما منّا بتعهّداتنا وواجباتنا كحزب سياسي التي تقتضي أن يكون لنا موقف واضح رشّحنا الأستاذ عبد الفتاح مورو بأغلبية مجلس الشورى. وما يهّم النهضة أوّلا هو نجاح التجربة الديمقراطية الناشئة وحماية الحريّة لأنّها هي الأهم. لذا قبلنا النتائج. وسنقبلها دائما. ونحن نحترم توجّهات الناخبين وخياراتهم. وقد بادرنا بتهنئة الفائزين في الدور الرئاسي.

ونحن نرى أنّ المترشح قيس سعيّد يحمل قيم الثورة. ومن الطبيعي أن ندعم من هو أقرب الى الثورة. حركة النهضة متمسكة بقيم الثورة والديمقراطية ودعمنا لقيس سعيّد لا يعني تأييدا كليا. فنحن سندعمه في كل ماهو في صف الثورة والديمقراطية.

الترشّح للبرلمان..هل هو استعداد لدخولكم لأوّل مرّة مؤسّسات الحكم؟

البرلمان هو السلطة الحقيقيّة المعبّرة عن إرادة الشعب. وأهم ماجاءت به الثورة هو نقل السلطة إلى الشعب وتوزيعها بين باردو والقصبة وقرطاج. وهذا مكسب مهم جدا يمنع عودة التسلّط والهيمنة وحكم الفرد. وفي الدول الديمقراطية رؤساء الأحزاب يترشحون للبرلمان حتى يقودوا فريقهم البرلماني الذي يصنع السياسة في الحزب والدولة. وحركة النهضة تنافس على البرلمان. وهي مؤهلة الى الحكم لخدمة الشعب والمناطق المهمشة ومحاربة الفساد.

لكن البعض يروّج أنّ ترشّحكم للتشريعية بهدف حصول على حصانة برلمانيّة؟

هذه أوهام لدى أصحابها. وأنا لستُ مطاردا لا في تونس ولا في أي مكان في العالم. واسُتقبلت في الهند والصين وماليزيا وفرنسا وإيطاليا. ولكن كلّ هذه الأوهام تصطدم بوعي شعبي يميّز بين الحقيقة والأكاذيب والإشاعات. وقد كشفت نتائج الانتخابات دوما الثقة التي تتمتّع بها النهضة ومختلف قياداتها لدى قطاعات واسعة من المجتمع. فهي نموذج للعمل والكّد والتضحية في سبيل أن تنجح بلادنا في إتمام انتقالها الديمقراطي والحضاري والتنموي الشامل في ظل وحدة وطنية صمّاء ومشاركة من جميع أبنائها دون إقصاء أو تمييز أو استبعاد وبتحكيم مستمر لإرادة الشعب في اختيار من يحكمهُ.

مروّجو مثل هذه الأوهام الكاذبة فشلوا في التفوّق علينا انتخابيا وبشكل ديمقراطي فعمدوا إلى محاولات الشيطنة والتضليل.ولكنهم أقليّة وإن لم يتطورا فهم في طريق الانقراض. وارادة الشعب تعبّر عن ذلك. فقد لفظت صناديق الاقتراع الكثير من غلاة الاستئصال والفكر الاستبدادي، سيُواصلون التهريج ولكن في النهاية ودائما سيكون مصيرهم الفشل.

من هم هؤلاء…؟

هم من بعض اليسار المتطرّف المدفوع بأجندات لإفشال الثورة ومسار الانتقال الديمقراطي. وهم يتقاطعون في ذلك مع فئة من الانتهازيين والسماسرة الذين أفقدتهم الثورة مكانتهم وامتيازاتهم ومواقعهم التي كانوا يتمتعون بها زمن الاستبداد.

للأسف هؤلاء ما يزالون مصرّين على التشويش وإحداث الفوضى، مثلا ما فعلته هيئة الدفاع عن الشهيدين بلعيد والبراهمي رحمهما الله عند اقتحام مكتب وكيل الجمهورية، وفعلوا ذلك لأنهم يئسوا من هزم النهضة عبر صناديق الاقتراع ولم يتخلصوا بعد من نزاعاتهم الفوضوية المعادية للديمقراطية. هنا أريد أن أعرّج على ما تم تداوله من أننا تهجمنا على سلك المحاماة عندما انتقدنا هذه الحادثة. وأريد ان أؤكد هنا احترامنا الكبير وتقديرنا لسلك المحاماة الذي قاد النضال في كل الفترات ضد الدكتاتورية ودافع عن كل المظلومين من كل العائلات السياسية بمن فيهم الإسلاميون. لذا نحن ممنونون للمحامين ولا يمكن ان نتهجم على هذا السلك المناضل خاصة ان الكثير من أبناء النهضة هم من أبناء هذا السلك من مؤسسين وقيادات مركزية وجهوية.

لكن مازال ملف الجهاز السرّي مقلقا لكم؟

أبدا لا يزعجنا هذا الملف. وهو عند القضاء ويجب الاحتكام له بعيدا عن محاولات التوظيف السياسي والانتخابي. هناك تلبيس كبير على النهضة في هذا الملف أو غيره وهناك مغالطات بغاية التأثير على الرأي العام، جزء من اليساريين فوضويّون لم يتطورا في اتجاه الديمقراطية وتحكيم إرادة الشعب وقيم المنافسة السياسية النزيهة والعيش المشترك. ومازلوا بثقافة الاستبداد والوصاية. ويشتغلون وفق أجندات التخريب والكيد.

كيف تقيّمون تراجع القاعدة الانتخابية لحركة النهضة منذ 2011 وحتى 2019؟

في السياسة ليس هناك شيء ثابت. والأحزاب تقوى وتضعف بحسب أدائها وأيضا إكراهات الواقع. وفي التنافس الديمقراطي هناك تداول وهناك فوز وخسارة. والديمقراطي هو من يقبل بذلك. وكنّا دوما من السبّاقين في تهنئة منافسينا عند فوزهم.
ولكن نقول للأسف إنّ الناخب التونسي كان لفترة طويلة ضحيّة هرسلة من قبل قوى سياسيّة وإعلاميّة فاسدة عملت على ترذيل العمل السياسي وإضعاف المنظومة الحزبيّة والتشكيك في سلامة التمشي الديمقراطي.

النهضة لها خزّان ينقص ويزيد. ولكن لها قاعدة صلبة ثابتة. وبقدر جهدنا وتبليغ صوتنا للناخبين والحرص على التواصل معهم وإقناعهم بتصوّراتنا وحُسن تفسير مواقفنا بقدر ما يتزايد الحزام المؤيّد لنا. وبالرغم ممّا جرى فالنهضة باقية متماسكة بفضل مؤسّساتها ووعي جمهورها بحقيقة الإكراهات والضغوطات المسلّطة عليها وعلى الثورة والتجربة الانتقاليّة.

أقول بهذه المناسبة إنّ القيادة تسمع صوت القاعدة وتتفهّم مواقفها. ولكن نحن في النهاية وهذا مصدر قوتنا نلتزم برأي المؤسّسات. لم نتعامل يوما مع أبنائنا بمنطق القرارات العلوية المسقطة. وقد تكون تجربة تشكيل القائمات الانتخابية أصعب هذه المرة ولكن أمام الاستحقاقات الكبرى يتجند النهضويون دون حسابات وخاصة ان التجربة الديمقراطية مهددة والقوى الإقليمية المعروفة بعدائها للحرية كشّرت عن أنيابها. وهي تحلم بإخراج النهضة من الحياة السياسية وإلا كيف يفسر الشريط الوثائقي الذي بثته قناة “العربية” عما يعرف بالتنظيم السري في ذروة الحملة الانتخابية. هؤلاء يرون المكان الطبيعي للإسلاميين هو السجن، حتى لو شهد لهم العالم بأنهم ديمقراطيون.

هؤلاء يرون أنّ وجود النهضة قوية وموحدة وممثلة بكتلة قوية في البرلمان معطل لمشروعهم المعادي للحرية. لذلك أقول لأبناء النهضة وأنصارها إنّ كل صوت لا يذهب الى حزبكم هو في الحقيقة صوت لفائدة مشروع الاستئصال وتخريب الديمقراطية وإلغاء الحرية.

ماذا عن برنامجكم الانتخابي للتشريعيّة؟

البرنامج الانتخابي للنهضة في الانتخابات التشريعية، متجه نحو التركيز على الملفات الأساسية وهي في تقديرنا القضاء على الفقر وعلى التفاوت الجهوي والقضاء على الفساد وتحسين ظروف عيش المواطنين ورفع الضغوط المسلّطة على المقدرة الشرائيّة.

هذا دون أن نُغفل أنّ قطاعات حيويّة كالصّحة والتعليم والنقل هي أولويّة مطلقة سنعطيها اهتماما خاصا عبر مشاريع تطوير عصريّة. ونحن نرى أنّ تونس في طريقها الى استكمال استحقاقات الثورة السياسيّة. وهي ذاهبة في السنوات المقبلة الى استكمال الاستحقاقات الاقتصادية والاجتماعيّة. ونأمل في أن يكون الناخبون على بيّنة من ذلك وأن تكون توجهاتهم في الانتخابات التشريعية والدور الثاني للانتخابات الرئاسية مساعدة على بناء منظومة حكم متجانسة وقويّة تُسهّل الانطلاق السريع في مشاريع الإصلاح والإنقاذ الاقتصادي والاجتماعي.

كيف تستشرفون مستقبل الحياة السياسية ما بعد الانتخابات وخاصة في ما يتعلّق بالحكم؟

لدينا، ولدى كثير من المتابعين، خشية حقيقية من تشتّت الأصوات على القائمات المستقلة والأحزاب الصغيرة. وهذا قد يكون سببا في تعطيل مؤسّسات الحكم التشريعية والتنفيذية. وقد يكون سببا في صعوبة الوصول إلى أغلبيّة برلمانيّة قادرة على تأمين الاستقرار لمجلس النواب وتمنح الحكومة حزاما سياسيّا وبرلمانيا لكي تنفّذ مشاريعها وبرامجها بشكل سريع وفعّال وناجع.

التحديات صعبة دونما شكّ والصورة ما تزال غير واضحة بالقدر الكافي لأنّها مرتبطة بأمزجة الناخبين التي أكّد الدور الأوّل للانتخابات الرئاسيّة أنّها أمزجة غاضبة وتبحث عن شيء جديد.

وما نأملهُ هو أن تفرز الانتخابات التشريعيّة القوى الديمقراطيّة الصادقة بعيدا عن الفوضى والتشتّت.وإذا جدّد الشعب ثقته في النهضة فإن التحالفات ستكون على تفاهمات واضحة تضع في أولويّاتها القضاء على الفساد والفقر وتلبية احتياجات الناس الذين نعرف جيّدا حجم ما يُعانونه في معيشهم اليومي من غلاء للأسعار وبطالة وتدهور البنية التحتية. لذا فإنّ برنامجنا الانتخابي يقوم بالأساس على الجانب الاقتصادي ومقاومة التفاوت بين الجهات. وأنا أدعو الشعب الى انتخاب الأحزاب الكبيرة التي لها تجربة وقادرة على الحكم وتأمين الاستقرار العام في البلاد.

المصدر : الشروق