بسبب مجلة الصرف والديون والتوريد العشوائي : الـ«باي بال» لن يتوفر في تونس… فهل يكون «سكريل» البديل؟

لم يكن قرار رفض إدارة «الباي بال» مؤخرا لمطلب البنك المركزي بإدخال خدماتها إلى تونس منتظرا باعتبار أن الملف استجاب شكلا ومضمونا لكل المعايير المتفق عليها خاصة في ما يتعلق بالأرضية الفنية والتقنية التي ضُمنت في ملف المطلب والتي تؤهلها لاستقبال هذه التطبيقة في مجال الدفع الالكتروني دون أي ملابسات.

وبالرغم من عدم الإعلان رسميا عن الأسباب الحقيقية وراء هذا الرفض من قبل إدارة «الباي بال»، إلا أن العديد من المتدخلين في هذا المشروع حصروها في النقطة الخلافية الرئيسية التي لازمت تقريبا مراحل التفاوض في الملف وهي تشبّث إدارة « الباي بال» بشرط إرسال أموال من حساب تونسي إلى أي حساب آخر في العالم، الأمر الذي يرفضه البنك المركزي مبرّرا ذلك بعدم ملاءمة هذا الطلب مع قانون الصرف في تونس الذي يجرّم تحويلات بالعملة الصعبة إلى حسابات أجنبية. والحال أن الاتفاق مع أي موقع من هذه المواقع التجارية العالمية لن يتم إلا بالموافقة على حرية تبادل الأموال بين جميع الحسابات بغض النظر عن جنسية صاحب هذا الحساب البنكي الافتراضي أو البلد المقيم به.

تآكل مجلة الصرف وتدهور اقتصادنا ابرز الأسباب

وأمام هذا الوضع، دعا العديد من المتدخلين في قطاع الاتصالات في تونس إلى ضرورة تغيير سياساتنا النقدية التي تآكلت ولم تعد تتطابق والتطورات التكنولوجية الحديثة خاصة تلك المرتبطة بالتحويلات البنكية.

من جهته، أفاد معز شقشوق الرئيس المدير العام للديوان الوطني للبريد التونسي لـ«الصباح» بان مجلة الصرف في تونس وجب تعديلها والتغيير في بعض فصولها حتى تتلاءم مع قوانين البنوك الافتراضية في العالم، مشيرا إلى أهمية تقنين سياسات الصرف حتى تسمح بالانفتاح على تطبيقات جديدة على غرار «الباي بال».

أما بشان أسباب رفض مطلب تونس، فقد ذكر شقشوق لـ «الصباح» أن البريد التونسي لا يعتبر الجهة التي تسببت في هذا الرفض باعتبار أن الحلول التقنية التي رفعت من قبل الديوان الوطني للبريد التونسي كانت مستوفاة ولا يشوبها أي خلل، مبينا أن الأرضية التقنية لاستقبال مثل هذه التطبيقات متوفرة في بلادنا خاصة أننا لدينا خبرة في هذا مجال الدفع الالكتروني منذ سنوات.

بالمقابل، دعا الرئيس المدير العام إلى أهمية الجلوس مع جميع الأطراف المتدخلة في المشروع وفتح باب النقاش والوقوف عند الأسباب الحقيقية والنقائص التي تضمنها الملف للنظر فيها وتجاوزها، مشيرا إلى أن رفض تطبيق «الباي بال» في تونس ليس مسالة مصيرية باعتبار أن التفاوض سيتواصل مع ضرورة التفكير في إدخال تطبيقات جديدة مشابهة وحتى أكثر حداثة…

كما شدد شقشوق على أهمية مواكبة بلادنا لكل التطورات التكنولوجية الحديثة خاصة تلك المتعلقة بمجال الدفع الالكتروني والانفتاح على المنظومات العالمية في هذا المجال بعد تعديل سياسات الصرف في تونس.

وحول المخاطر التي قد تنجر عن مشروع «الباي بال»، فسر الخبير في المخاطر المالية مراد الحطاب لـ«الصباح» بان الظرف الاقتصادي الذي تمر به بلادنا منذ السنوات الأخيرة لا يسمح بولوج هذه التطبيقات، مبينا أن الإجراء الذي قام به البنك المركزي تجاه المشروع هو حمائي بالأساس.

كما بين الحطاب أن أهم أسباب الرفض تنحصر في ندرة مدخراتنا من العملة الصعبة التي لا تتجاوز الـ110 يوم توريد في حين أن البلدان التي تستقبل مثل هذه التطبيقات والمنظومات تكون فيها المدخرات في ما بين 170 و180 يوم توريد على غرار المغرب، فضلا عن الديون الثقيلة التي تلازم بلادنا والعجز الواسع في ميزانها التجاري والمقدر حاليا بـ20 ألف مليون دينار.

والسبب الأهم حسب ما كشفه الحطاب هو السياسة التوريدية المتبعة في بلادنا التي لا تتماشى مع السياسة التصديرية وانهيار المنظومة الإنتاجية الذي قد يؤدي إلى إغلاق عدد من المصانع والمؤسسات الاقتصادية، إلى جانب الانفلات الذي يعرفه قطاع التوريد والذي يمثل خطرا كبيرا على البلاد..

كما تمثل أزمة السيولة في البلاد من أهم العوائق أمام تطبيق مثل هذه المنظومات في مجال الدفع الالكتروني، وتبقى أهمية تقنين منظومة التوريد من ابرز الحلول التي لابد أن تضعها الحكومة لتحسين وضع الاقتصاد حتى يكون مؤهلا لاستقبال مثل هذه التطبيقات في بلادنا.

وابرز الحطاب أن أهم المخاطر التي تطرح العديد من التخوفات من وراء تطبيق هذه المنظومات تتمثل في إمكانية عدم جلب الأموال والأرباح المتأتية من تطبيق خدمة «الباي بال» إلى تونس، فضلا عن تأثر منسوب مدخراتنا الوطنية من العملة الصعبة بمثل هذه المنظومات التي قد تحدث فيها اضطرابا خاصة أنها تمس التحويلات البنكية في الخارج بالعملة الأجنبية.

ورأى بالمقابل عدد من المتدخلين في قطاع الاتصالات أن هناك العديد من المنظومات العالمية التي تساير اليوم التطورات التكنولوجية عبر بلدان العالم يجب التركيز عليها وتجاوز خدمة «الباي بال» …

وأكدت مصادر مطلعة من البنك المركزي أمام هذا الوضع أن البنك دخل مؤخرا في مفاوضات مع شركات أخرى شبيهة بالـ»باي بال» على غرار «سكـريـل» للنظر في إمكانية إيجاد اتفاق معها بخصوص هذه المسألة مع مراعاة سياسة الصرف في تونس…

وكان مشروع إدخال «الباي بال» إلى تونس من أهم المشاريع التي راهنت عليها الحكومة رغم الصعوبات التي رافقته طيلة فترة التفاوض بين إدارة البنك الالكتروني والبنك المركزي، كما كان من المنتظر أن تُفعل هذه الخدمة خلال شهر جوان المنقضي بعد أن وافقت إدارة البنك الالكتروني على الحلول التي قدمتها تونس لتجاوز الخلاف الحاصل، حسب ما أعلن عنه مؤخرا وزير تكنولوجيات الاتصال والاقتصاد الرقمي أنور معروف في وقت سابق ..

لكن ما راع الجانب التونسي أن الأمور لم تكن كما خطط وانتهت المفاوضات بالرفض لتكون بذلك بلادنا من بين البلدان المحرومة منذ سنوات من خدمات «الباي بال» في العالم إلى جانب الصومال..

ما هو الـ«باي بال»؟

الـ«باي بال» هو موقع الكتروني تجاري يسمح للمستخدم بتحويل المال عبر الإنترنت والبريد الإلكتروني لعناوين مختلفة، كما يمكن للمستخدم إرسال المال المرسل إليه إلى الآخرين أو تحويله لحساب في المصرف وتعد خدمة العملة الإلكترونية بديلة عن الطرق الورقية التقليدية كالشيكات أو الحوالات المالية. وينفذ موقع «باي بال» عمليات الدفع لمواقع البيع، ومزادات الإنترنت، وغير ذلك… ويعد PayPal الرائد عالميا في مجال حلول الدفع عبر الإنترنت مع أكثر من 169 مليون حساب في جميع أنحاء العالم» PayPal «باي بال» يوفر خدماته في 203 اسواق و26 عاملا في جميع أنحاء العالم مما أهله كي يكون دعامة قوية للتجارة الإلكترونية العالمية من خلال إتاحة خيارات الدفع عبر المواقع والعملات واللغات المختلفة..

أي دور مالي واقتصادي لهذه المنظومة في تونس؟

بمجرد تفعيل هذه الخدمة في تونس سيصبح بإمكان التونسيين القيام بجميع العمليات الخاصة بنقل الأموال عبر الانترانت والبريد الالكتروني دون الحاجة إلى فتح حساب بنكي مثل تحويل وإرسال الأموال بالعملة الصعبة من وإلى تونس عبر تداول الأموال والمداخيل دفعا وقبولا..

كما أن هذه المنظومة ستمكن من توفير العملة الصعبة للبلاد باعتبار أنها خدمة تتحكم في تحويل الأموال في أي مكان من داخل تونس ومن خارجها، وهو إلى جانب أنها تعد مكسبا ماديا فهي تمثل كذلك كسبا معنوي في ما يتعلق بإعطاء الحرية والاستقلالية في التحويلات المالية.

وكان عدد من شباب تونس قد أطلقوا منذ سنة حملة «سيب الباي بال» عبر مواقع التواصل الاجتماعي بعد تباطؤ البنك المركزي في اتخاذ قرار نهائي بشان هذا المشروع الذي سيمكنهم من فتح الآلاف من مواطن الشغل والعمل والكسب عبر الانترنت وجلب العملة الصعبة للبلاد..

كما اعتبر العديد من المراقبين في الشأن المالي أن هذا المشروع سيمكن الشباب من تحقيق أرباح كبيرة بمجرد تمكينهم من هذه الخدمة على غرار ما حققه شباب المغرب في سنة 2015 بما يناهز الـ30 مليارا أرباحا صافية من خدمة «الباي بال».

وفاء بن محمد
المصدر : الصباح